علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
323
الصداقة والصديق
ولا أقول فيك كما قال إبراهيم بن المهدي « 1 » لعمرو بن بانة « 2 » ودعاه يوما فامتنع من المصير إليه لسخط السلطان عليه فكتب إليه : ليس يخلو أمير المؤمنين أن يكون ساخطا عليّ أو راضيا عني ، فإن كان راضيا فما يأبى أن يسرّني ، وإن كان ساخطا فما يأبى أن يغرّني ، وإنك لموقوف بينهما بحمد اللّه ، فأمّا فلان فلو كان الصديق إذا نزلت به نائبة ، أو نالته نكبة ، أو نبا به الدهر نبوة استوى عدوّه وصديقه في الجفاء به ، والاحتراس من خلطته وعشرته ، وترك معونته على دهره ، لكان اسم الصديق اسما معلّقا على غير معنى ، ولكانت حرمة مودّته ، واعتقاد إخائه في أيام الرخاء وزمانه ضياعا لا حظّ فيه ، كلا واللّه إن الرجل ليبذل لأخيه في النكبة ما له ، وقد أعفى اللّه مالك وإنه ليحظر نفسه في معونته ، وقد صان اللّه نفسك لك ، وإنه ليفارق الأوطان والأهلين في إيثار موافقته ، ولقد أعفاك اللّه من أن ترد عليك مسألة في ذلك ، وما أردت إلّا أن أعلم أنّ لي صديقا قد أبقى لي الدهر منه مثل الذي أخذ ، وأنفس منه ، وأن الأيام لم تبلغ من مساءتي كلّ ما أحذره ، وللّه روح منتظر ، وفرج مأمول ، وصنع متوقع ، ولنا ذنوب ما نتّهم غيرها ، ورحمة اللّه أكثر منها . [ رسالة ابن أبي البغل ] كتب ابن أبي البغل « 3 » إلى النعمان بن عبد اللّه أبي المنذر : كتابي - أدام
--> ( 1 ) هو إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور العباسي أخو هارون الرشيد ، ولد ونشأ في بغداد عام 162 ه ، تولى الخلافة مدة عامين ( 202 - 204 ه ) وتغلب على الكوفة والسواد والمأمون بخراسان وبقي مستترا حتى عام 210 ه ومات في سرّ من رأى عام 224 ه . ( 2 ) عمرو بن محمد بن سليمان شاعر وعالم بالغناء ، كان نديم المتوكل وتوفي بسامراء عام 278 ه . ( 3 ) ج ق - النعل . هو أبو الحسين محمد بن يحيى بن أبي البغل ، استدعي من أصفهان وكان يلي الوزارة في أيام المقتدر ، وكان بليغا ، مترسلا ، فصيحا ، من أهل المروءات ، وكان -